You are currently browsing the category archive for the 'الأمير محمد ع. الكريم الخطابي' category.

كلما حلت ذكرى من ذكريات لها صلة بالبطل محمد بن عبد الكريم الخطابي، إلا وأجد يراعي يدفعني دفعا كي أدبج كلمات صادقة في حق الرجل/الملحمة، إسهاما متواضعا مني في إحياء ذاكرة هذا المجاهد الفذ، واستنهاض روح البطولة ومحاولة استنبات شروط النهضة في أوطاننا العربية والإسلامية.في فاتح رمضان الأبرك 1382هـ، الموافق ل 6 فبراير 1963م، رحل عن هذا العالم عبقري فذ من عباقرة المقاومة، في أخلاقه وسياسته ودبلوماسيته، وعمله وعلمه،… وبهذا كله بهر الرجل أعداءه قبل أصدقاءه.وليس كل هذا بغريب عن المجاهد الخطابي وهو الذي تربى على المقاومة منذ صغره في بيت والده المجاهد عبد الكريم الخطابي، الذي لقنه روح الجهاد، والعلم، وتابع نشاطاته إلى أن توفي رحمة الله عليه.وليس غريبا أيضا على الخطابي الولد أن يكون كذلك، وهو الذي ينتمي إلى منطقة الغرب الإسلامي الذي أنجب مجاهدين من الطراز العالي أمثال طارق ابن زياد، ويوسف بن تاشفين ويعقوب المنصور الموحدي، وأحمد المنصور الذهبي، والأمير عبد القادر الجزائري، وعمر المختار، وغيرهم..وقد شهدت له أوروبا بذلك، عندما تبنت معاهدها العسكرية نظريته في حرب العصابات التي استفاد منها القاصي والداني والتي دوخت المحتلين.كان أمير المجاهدين محمد بن عبد الكريم الخطاي، متشبعا بشروط المقاومة والنهضة في آن واحد، حيث راهن في البداية على دحر الاحتلال الاسباني وفي نفس الوقت على إشاعة روح التدين والعلم والعمل المجد لبناء منطقة الريف والذود عنها.
ذاكرة الخطابي، والتعتيم المستفز
هل قدر للمجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي، أن يعيش في المنفى في حياته ومماته، وإن كنا لا نعتبر مصر منفى له، لأنها استقبلته وآوته ومنحته حرية لم تمنح له في بلده، حيث قضى الرجل حياته بين الجهاد ومرارة النفي في جزيرة لارينيون والقاهرة، إلى أن لقي ربه. وها هو الآن، تطوي ذاكرته النسيان في إعلامنا التافه ومناهج تعليمنا الضحلة.فأين إعلامنا الرسمي وأين صحافتنا الرسمية الحرة، وأين دروس التاريخ والجغرافيا، وأين المهرجانات، وأين الجمعيات…؟
ألا تخجل وزارة الاتصال ووزارة الثقافة، من كونهما تبدلان مجهودات جبارة معنويا وماديا، لإحياء مهرجانات موسيقية وفولكلورية في جل مناطق المغرب، ولا تجهدا نفسيهما في إحياء ذاكرة المقاومة الريفية، وإنشاء مراكز أبحاث ودراسات لتوثيق تراث المقاومة وكذا إعداد أفلام وثائقية وتشجيع المخرجين السينمائيين على إخراج أفلام حوله ..
ألا يخجل هؤلاء من الحرص الشديد لدى مؤسسات أمريكية وأوروبية وأسيوية على إحياء تراث الخطابي من خلال إعداد دراسات وأبحاث ومؤلفات وأطاريح جامعية؟
ألا يخجل هؤلاء، من أن إسبانيا تسعى جاهدة في التعريف بالخطابي العدو اللدود و الكابوس لأطفالها بالمدارس؟
إن صيت الرجل عبر الحدود والمحيطات وأضحى درسا نموذجيا لن ينسى أبد الدهر، هل يمكن للمرء أن ينسى ملامح أنوال، وأدهار أبران، وسيدي ابراهيم، وإغريبن والعروي؟
الخطابي، وهيئة الإنصاف والمصالحة
مرت سنتان على إعلان مسؤولي الهيئة عن عزمهم إعادة رفات المجاهد محمد عبد الكريم الخطابي إلى بلاده، وقد ذهب أحدهم آنذاك إلى القاهرة للتفاوض مع أبناء الخطابي حول ذلك وتم الاتفاق من حيث المبدأ على ذلك، من دون التوصل إلى تفاصيل العملية، فقضية المجاهد كما يقول ولده سعيد الخطابي في استجوابه مع المجلة الفرانكفونية تيل كيل عدد ,210 بتاريخ 28 يناير خ 3 فبراير ,2006 لا يمكن معالجتها باعتباره ضحية من ضحايا سنوات الرصاص، أو ما بعد الاستقلال..إنها قضية لها وزنها ورمزيتها، لكن الابن سعيد الخطابي يقر الدكتور، بأن ملف والده قد عرف تقدما ملموسا منذ زيارة جلالة الملك محمد السادس إلى الريف.ولاشك أن جميع المغاربة سيكونون سعداء إذا ما تم نقل رفات المجاهد الخطابي إلى بلده، لكن الكل يتمنى أن يتم ذلك بعد القيام بالإجراءات التالية:
- مطالبة الدولة المغربية من إسبانيا وفرنسا بالاعتذار عن مرحلة الاحتلال، وعن استعمال الغازات السامة وبعض الأسلحة المحظورة.
- إن المصالحة الحقيقية تتجسد في إنهاء سياسة التهميش ضد منطقة الريف وإرجاع كرامة أهلها، وإدماج المنطقة اقتصاديا وإداريا…
- الاعتناء بتراث محمد بن عبد الكريم الخطابي، عن طريق إحداث مركز للدراسات والأبحاث ومتحف يليق بمكانة الرجل.
- إعادة كتاب تاريخ المغرب، خاصة المتعلق بالمقاومة الريفية.
-ضرورة رد الاعتبار إلى حرب الريف التحريرية إعلاميا وتعليميا وفنيا.
-تجاوز سلبيات الماضي من أجل خدمة المستقبل.
الخطابي ما زال حيا في ضمير الأمة
لقد غادرنا المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي بجسده لكن فكره ونضاله وعبقريته ضلت وستظل نبراسا لكل أبناء المغرب ولكل الأحرار في العالم.
وفي هذا الإطار، نترك نجلة المجاهد السيدة عائشة الخطابي تروي لنا كلمة عظيمة قالها والدها رحمه الله قبل تحقيق النصر في معركة أنوال الخالدة: أنا لا أريد أن أكون أميرا و لا حاكما وإنما أريد أن أكون حرا في بلدي حر، ولا أطيق من سلب حريتي أو كرامتي.
أما بعد الانتصار، فقال في اجتماع مع رجال الريف الذين توافدوا عليه بأعداد غفيرة يريدون إعلانه سلطانا، قال قولته الشهيرة، لا أريدها سلطنة ولا إمارة ولا جمهورية ولا محمية، وإنما أريدها عدالة اجتماعية، ونظاما عادلا يستمد روحه من ثراتنا. وتضيف السيدة عائشة بأن هذه الكلمات المأثورة عن الأمير نقلها عنه رفيق دربه المجاهد بوجيبار في مذكراته.
وأختم هذه الورقة بما سجلته صحيفة ديسلدوفر ناخريشتن يوم 27 مايو 1929 تحت عنوان (نهاية عبد الكريم): إن تعاطف كل أوروبا يرافق، في المعسكر الفرنسين الزعيم الريفي البطل الذي كان لمدة سنين طوال من الكفاح روح حركة التحرير في القبائل المغربية، تأسفنا شديدا لانهزامه، ليس على أساس أنه كان عدوا لفرنسا، ولكنه لأنه كثيرا ما حقق انتصارات من أجل الدفاع عن حقوق شعب مضطهد، رغم التفوق الهائل لقوات دولتين أوربيتين كبيرتين
عبد الكريم الخطابي: حرب الريف والرأي العام العالمي، الطيب بوتبقالت، سلسلة شراع (14) ص .89
————————————
مصطفى زيان
التجديد

هذا الظرف الذي تعيشه الأمة العربية والإسلامية، من أصعب الظروف وأشدها إيلاما من كل الشدائد والمحن التي عرفتها الأمة، بدءا من سقوط الأندلس، ومرورا بسقوط بغداد والخلافة الإسلامية، وانتهاء بسقوط بغداد الثاني واحتلالها من طرف مغول العصر، إضافة إلى ما تعيشه دول عربية وإسلامية من حصار واعتداء واغتصاب واستغلال للثروات وتعد على السيادة والكرامة.
لكن الله سبحانه وتعالى يشاء أن يبعث إلى هذه الأمة، من يستنهض هممها ويدافع عن كرامتها ويسترد عافيتها، وهذا بالضبط ما نشهده ويشهده العالم كله من بروز حركات تحرر ومقاومة في جميع البقاع التي تستباح من طرف الصهاينة والأمريكان وحلفائهما، ونحن نخلد ذكرى معركة أنوال المجيدة، التي أضحت مدرسة في الكفاح والجهاد، والتي قدم من خلالها المجاهدون أروع الدروس والتضحيات.
“إني آمل أن تستفيد أمتي من تجربتي”
كانت هذه أمنية المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي الخالدة، التي أراد من خلالها أن يبعث برسالة إلى الأمة على مر عصورها للاستفادة من تجربته الرائدة في الكفاح وفي النهضة. فرغم مرور خمسة وثمانين عاما على حرب الريف التحريرية، فإنها ما زالت تحظى باهتمام كبير من لدن الباحثين والمهتمين، وتنجز في شأنها دراسات وأبحاث، ويحتفى بها على المستويات الدولية شعبيا وأكاديميا.
فليس بهين على هذه الشخصية الفذة، التي قهرت دولتين أوروبيتين، إسبانيا وفرنسا وحلفاءهما، أن تخترق الآفاق، وتصبح من الشخصيات الخالدة في التاريخ ماضيا وحاضرا ومستقبلا. لم يعرف محمد بن عبد الكريم الخطابي كشخصية عسكرية فقط، بل كرجل علم ودبلوماسية، وكمفكر استطاع أن يقود نهضة اجتماعية وتنموية بمنطقة الريف، حيث ألهبت شخصيته ومعاركه قريحة عدد من الشعراء، فنظم في حقه الشاعر الفلسطيني إبراهيم طوقان شعرا مطلعه:
في ثنايا العجاج والتحام السيوف
بينما الجو داج والمنايا تطوف
يتهادى نسيـم
فيه أزكى سلام
نحو عبد الكريم
الأمير الهمـام
ريفنا كالعريـن
نحن فيه الأسود
ريفنا نحميه
محمد بن عبد الكريم الخطابي: الرجل القضية
احتار المؤرخون والمهتمون بتاريخ المقاومة الريفية، في فهم حقيقة شخصية المجاهد الخطابي، والسر الكامن وراء انتصاراته الباهرة، خاصة في المجالين العسكري والدبلوماسي.
ولد المجاهد الراحل بقرية أجدير عام 1882م، وكلمة أجدير في الأصل كلمة أمازيغية تطلق على مخزن الحبوب في المطامر، وتقع هذه القرية ذات الموقع الاستراتيجي بالغ الأهمية عند خليج مدينة الحسيمة، بحيث تجعل منها قلعة حصينة منيعة، تجعل المجاهدين الريفيين في مأمن من كل هجمات العدو برا وبحرا وجوا.
بهذه القرية كان يوجد مقر قيادة الخطابي، الذي للأسف الشديد كان ومازال معرضا للإهمال الرهيب، حيث لم تلتفت إليها وزارة الثقافة التي تتسابق لتنظيم مهرجانات فلكلورية تافهة في مختلف مناطق المغرب، والتي تصرف عليها أموالا كان من الأجدر أن توفر لتنمية المناطق الفقيرة بالمغرب ومنها منطقة الريف المجاهدة.
يحكي حياته بنفسه في كتابه ”مذكرات عبد الكريم الخطابي” فيقول:
” إننا من أجدير، ننتمي لبني ورياغل بالريف، مات أبي سنة 1920 وخلف ولدين، أخي سي امحمد وأنا، عشنا طفولتنا بأجدير، وتلقينا تعليمنا بفضل أبينا وعمنا سي عبد السلام، انتقلت بعدها إلى تطوان، ثم فاس، حيث قضيت سنتين بمدرسة العطارين والصفارين، قصد تهييء ولوجي إلى جامعة القرويين.
… عدت إلى أسرتي بالريف لبعض الوقت، ثم توجهت من جديد إلى فاس كي أقيم فيها لمدة ستة أشهر، لكن هذه المرة ليس لأجل الدراسة، بل لإنجاز مهمة سياسية كلفني بها أبي …”.
الجهاد والعلم : متلازمتان في تكوين الخطابي
نشأ الخطابي في عائلة اشتهرت بالعلم، وتولى أبوه القضاء بقبيلة بني ورياغل، والتحق بجامعة القرويين بالعاصمة العلمية للمغرب الأقصى بمدينة فاس، وكان ذلك سنة 1905م، حيث سكن إحدى حجرات مدرسة الشراطين الشهيرة التي بناها المرينيون، وبهذه الحاضرة العلمية، سمحت له الظروف بالاطلاع على المناورات الداخلية والخارجية التي كانت تعصف بالمغرب، وكذا بالتشبع بأفكار ومبادئ الحركة السلفية التي أرسى دعائمها دعاة الإصلاح والنهضة والتجديد، أمثال جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمان الكواكبي ورشيد رضا، وكان للخطابي إسهاماته المتميزة في مجال بناء الفكر والنهضة الوطنية المغربية.
الخطابي في مليلية
لجأ محمد عبد الكريم الخطابي إلى مدينة مليلية، حيث كان يشغل منصب قاض، وفي سنة 1914م، عين قاضي القضاة إلى جانب عمله بالصحافة، إذ كان ينشر مقالاته، التي كانت تنم عن إدراكه العميق لما كان يجري من أحداث داخل وخارج المغرب، في جريدة ”Telegrama del Rif” (برقية الريف).
ويحكي المقربون من الأمير الخطابي أن والده وافق على شغل ابنه منصب قاض بمليلية كخطوة أولى تكتيكية لاستعداد الريف لما كان يحاك له من مكائد من طرف الإسبان.
وخلال فترة إقامته، اعتقل بسبب اشتغاله بالسياسة، كما كانوا يدعون، إلا أن الحقيقة كانت هي الضغط على والده الذي كان ضد كل محاولة لسيطرة الإسبان على منطقة الريف، رغم مختلف الإغراءات التي كانت تقدم للخطابي الأب.
وفي محاولة للتخلص من جحيم السجن، حاول الأمير الفرار، لكنه لم ينجح في ذلك، وكاد يفقد ساقه، وفي 1920م، توفي والد الأمير، بسبب السم الذي دس له من طرف أحد العملاء، زعيم قبيلة ”تفرسيت” كما قيل في إحدى الروايات، تاركا المشعل لولده محمد.
معركة أنوال الخالدة
”كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة والله مع الصابرين” الآية. في يوم 25 شوال 1339هـ، موافق 21 يوليوز 1921م، وقعت معركة أنوال الشهيرة، التي تسمى بالموقع الذي جرت فيه، وهو قرية أنوال، وإن كانت أحداثها قد شملت عدة مواقع، بحيث عدت من أكبر المعارك التاريخية التي جرت بين المغرب وإسبانيا، كمعركة الزلاقة أيام المرابطين، ومعركة الأرك في عهد الموحدين… وكان لها صدى كبير في العالم الغربي، لأنها لقنت جنود الاحتلال دروسا لن تنسى إلى الأبد.
خاض المجاهدون الريفيون المعركة وهم بضع مئات في كل موقع، بحيث لم يكن يتعدى العدد الإجمالي ثلاثة آلاف مقاتل، في حين كان عدد جيش الاحتلال ستين ألف جندي مدججين بأحدث الأسلحة الفتاكة. واعتمد المجاهدون على الغنائم التي ربحوها من المحتل، حيث فقد هذا الأخير أسلحة متنوعة وذخائر ومؤنا كثيرة، إضافة إلى نحو ألف أسير من مختلف الرتب العسكرية، كما جن معها جنونهم لفقد 15 ألف جندي ما بين قتيل وجريح.
التحالف العسكري الإسباني الفرنسي ضد المقاومة
ظلت فرنسا غير راضية على سيطرة المقاومين على المنطقة، وهكذا بعد أن خسرت إسبانيا المعركة، وكاد وجودها أن ينمحي نهائيا، وجد المجاهد الخطابي نفسه مضطرا لفتح جبهة حربية أخرى مع فرنسا، رغم أنه كان يحرص على تجنب الاصطدام بالفرنسيين بل كان يهادنهم بدبلوماسيته المعروفة، ولم يبق أمام الأمير أي مجال لمواجهة فرنسا، حيث قام بمهاجمة المراكز العسكرية التي احتلتها فرنسا، ليتمكن في ظرف وجيز من احتلال ستة منها وإلزام الجيش الفرنسي بإخلاء 25 مركزا آخر، وكبر على فرنسا، وهي إحدى الدول العظمى في العالم، أن يتكبد جيشها هزائم على يد قائد مغربي ”صغير” وزعيم منطقة فقيرة و”متخلفة”، وأصبح الأمر يمس سمعتها في العالم، الأمر الذي دفعها لكي تنزل بكل ثقلها للقضاء على المقاومة الريفية الباسلة، بحيث حشدت جيشا قوامه مئات الآلاف، مدججا بأحدث وسائل القتال، ووجهته نحو جبهة الريف تحت قيادة المارشال ”بيتان”، الذي سبق له أن أحرز نصرا كبيرا في معركة ”فردان” أثناء الحرب العالمية الأولى. وبالمقابل، جندت إسبانيا قوات ضخمة لنفس الغاية، وتم استعمال وسائل عسكرية قذرة ومحظورة، تمثلت في الغازات السامة.
وإذا ما سلمنا بأن التاريخ يعيد نفسه، فإن نفس المخططات الاستعمارية الأمريكية والصهيونية مازالت تحاك ضد الأمة العربية والإسلامية في زمن خذلان الأنظمة العربية، فها هي فلسطين والعراق وأفغانستان ولبنان وغيرها من البلاد المستعمرة، تواجه أعنف وأشد المحن على مسمع وأنظار العالم ”المتحضر”.
المقاومة وحرب الغازات السامة
يكتسي موضوع استعمال الغازات السامة من طرف الجيش الإسباني، أهمية بالغة في فضح خبايا الحرب الاستعمارية القذرة، حيث لجأت قوات الاحتلال الإسبانية إلى عدة وسائل انتقامية غير نظيفة، كإحراق منتوج القبائل، عن طريق استعمال الطيران، وإلقاء القنابل دون التفريق بين الأطفال والشيوخ وبين المحاربين، إضافة إلى الحصار الاقتصادي خاصة في فترات الجفاف، ورغم توجيه المجاهد الخطابي نداءات متكررة إلى الرأي العام العالمي بخصوص استعمال الغازات السامة قائلا:
”أيها الأحرار، في مقدرتكم أن تؤنبوا الحكومة الإسبانية التي استعملت الغاز الخانق سيما على النساء والصبيان والبهائم، أعجزت إسبانيا عن المقاومة بغير الغاز الخانق؟ إن هذا يمس بكرامتها وكرامة الأمم المتمدنة… لهذا وإنني بصفتي قائدا عاما للجيوش العاملة في هاته الناحية، أحتج بكل قوة أمام الحق وأمام الدول الإسلامية والأوروبية”، ومع ذلك لم يجد هذا النداء آذانا مصغية، ولم تحرك الدول ”المتمدنة” ساكنا.
ومازالت فضيحة استعمال الغازات السامة المحظورة دوليا، مثار نقاش حاد في المغرب وإسبانيا، حيث تقدم حزب اليسار الجمهوري الكاتالاني في البرلمان الإسباني، بمجموعة من المبادرات الهادفة إلى التعريف بالكارثة التي خلفتها الأسلحة الكيماوية والمواد السامة التي استعملت في معارك الريف الشهيرة.
ورغم مرور 85 سنة على حرب الريف التحريرية، فإن آثار الأسلحة الكيماوية ماتزال بادية للعيان، ولا أدل على ذلك من ارتفاع إصابات سكان منطقة الريف على الخصوص بمرض السرطان، وهذا ما أكدته دراسات علمية وطبية أنجزها متخصصون في المجال.
فهل يعي مسؤولونا الدرس جيدا، ويقدمون العون إلى الجمعيات التي تطالب برد الاعتبار لمنطقة الريف جراء الحيف الذي طالها عقودا طويلة، وهل ستجرؤ إسبانيا على مراجعة أخطائها التي ارتكبتها خلال سنوات الاحتلال.
استسلام الشجعان أو النهاية المحتومة
كانت النهاية إذن محتومة بعد أن استنفذ المستعمر كل ما لديه من قوة وحيلة ووسائل عسكرية قذرة، فاستسلم المجاهد الخطابي للفرنسيين فجر 27 مايو .1926 ويصف المؤرخ الإنجليزي ”روبرت فورنو” هذه اللحظة في كتابه: ”أمير الريف” في كلمات مؤثرة قائلا: (كانت جبال الريف خارج بيت الزعيم الخطابي غارقة في ضوء القمر، وكانت أصداء الحركة تقعقع داخل منزل ابن عبد الكريم، ثم خرج وامتطى صهوة جواده، كان أخوه يركب خلفه وعيناه مرفوعتان إلى العالي، وعندما وصل الزعيم إلى بلدة ” تارجيست” عند الفجر، استقبلهم الجنرال (إيبوس) إلى جانب الكولونيل (كوراب) وحيياه. وفي اليوم التالي لاستسلام القائد البطل، جيء بأسرته وأقربائه ونقلوا مع ابن عبد الكريم وأخيه ووزرائه الباقين وأسرهم إلى مدينة تازة حيث أسكنوهم لعدة أيام قبل نقلهم إلى مدينة فاس، ثم بعد ذلك إلى جزيرة ”لارينيون” بالمحيط الهادي مكان منفاه، حيث قضى أزيد من عشرين سنة بصحبة أسرته بكاملها). وفي عام ,1947 قررت السلطات الفرنسية نقل الخطابي وأسرته إلى فرنسا، وعندما دخلت الباخرة التي كانت تقله، إلى قناة السويس ورست بميناء بورسعيد، التجأ إلى السلطات المصرية فرحبت به القاهرة ملكا وشعبا.
واستأنف نشاطاته السياسية بمصر، حتى بعد استقلال المغرب، وكانت له آراء صريحة وشجاعة في كل القضايا التي تهم المغرب العربي، وحرص السلطان محمد الخامس رحمه الله على زيارته بالقاهرة ليعرب له عن التقدير الذي يكنه له، وليدعوه إلى الرجوع إلى وطنه، ولكن الأقدار الإلهية أبت إلا أن يقضي هذا المجاهد نحبه في مدينة القاهرة يوم 11 رمضان 1383هـ، الموافق 6 نونبر 1963م، وشيعت جنازته في موكب رسمي، كانت في مقدمته شخصيات رسمية من الحكومة المصرية، على رأسها جمال عبد الناصر، وزعماء حركة استقلال الشمال الإفريقي.
كانت هذه واحدة فقط من عصارات العبقرية المغربية التي حققها مجاهدو محمد بن عبد الكريم الخطابي بدمائهم الطاهرة وتركوها تحفة جهادية تتوارثها الأجيال وتحرص على الذود عن قضاياها بكل فخر واعتزاز.
اليوم، تتجه كل الأنظار إلى ما سيسفر عنه قرار الدولة المغربية بخصوص نقل رفات المجاهد محمد بن عبد الكريم الخطابي من الشقيقة مصر إلى وطنه، فقد تم تبني هذا الملف من طرف هيئة الإنصاف والمصالحة، للنظر في مختلف الترتيبات المتعلقة بنقل رفات البطل الشهيد، حيث ينتظر دفنه بمقبرة الشهداء بقرية أجدير مسقط رأسه.
إن مسألة نقل الرفات تهم جميع المغاربة بدون استثناء، والكل يأمل في أن تقوم الدولة والحكومة المغربيتان بإقامة حفل وطني كبير تكريمي يليق بالأمير وإخوانه، وبتاريخهم النضالي والجهادي، إحياء للذاكرة التاريخية للمنطقة، وإعادة الاعتبار تنمويا لمنطقة الريف وساكنتها، عن طريق فك العزلة عنهما، و الإسراع بإحداث متحف يؤرخ للمقاومة الريفية، ويصون ذاكرة المغاربة، إضافة إلى ترميم وإصلاح مقر القيادة الريفية، الموجود بأجدير مسقط رأس المجاهد الخطابي.
لقد غادرنا أمير المجاهدين في المغرب الأقصى محمد بن عبد الكريم بجسده، لكن روحه وفكره وعبقريته ظلت سراجا مضيئا لشعبه خاصة وللإنسانية جمعاء.
إعداد:مصطفى زيان-باحث في تاريخ المقاومة الريفية
——————————
إعداد:مصطفى زيان-باحث في تاريخ المقاومة الريفية
التجديد
وصفت عائشة رضي الله عنها حالَ المسلمين عقب وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، فكان مما قالت: «لما قبِض رسول الله نجمَ [1] النفاق، وارتدت العربُ، وكان المسلمون كالغنم الشاردة في الليلة الماطرة»…
ولستُ أرى صورة وراء هذه الصورة التي ضل فيها النجم، واسودت حواشي الأفق، وغاب فيها الكون في سكون عميق تتعثر خطاه على وقع المطر الشديد، يمكن أن تصور حال المسلمين في مطلع هذا القرن، وقد استيقظوا من ليل الجهل، على أصوات الحضارة الغربية وجلبتها وأضوائها، تبهر العيون وتقرع الآذان!
لقد سارت الحضارة الغربية في طريقها تتسلم زمام الركب البشري الضارب في صحراء الحياة، بعد أن ضيّع االركبَ حداتُه المسلمون، يوم فقدوا ذاتهم، وأغفوا على أحلام الخرافة والأوهام… والقافلة الإنسانية –يا ويحها- ماذا جنت حتى يتسلم قيادتها اللصوص؟َ!
لا أريد أن أتحدث عن هذه الحضارة الآثمة وحراسها ونتائجها العريضة في الكون فبحسبي أن أشير إلى ثمرة واحدة من ثمارها الفجة التي غصت بها حلوق الإنسانية بالأمس، ولا تزال تعلك آثارها المُرة إلى اليوم.. إنها الحرب! حربان عالميتان في ربع قرن من الزمان، لم يتجرع كأس سمها أصحاب هذه الحضارة وحدهم، بل أفرغ هذه الكأس في أفواه الشعوب كلها إفراغاً… وخصوصاً تلك الشعوب المسلمة التي كانت تقود القافلة الإنسانية بالأمس؛ لأن بينها وبين قادة اليوم من العدواة، ما بين حراس القافلة ولصوصها.
وهكذا خيل لحضارة الغرب الصليبية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، أنه قد خلا لها وجه الحياة على الأرض، فسعت إلى اقتسام ما تبقى من أجزاء العالم الإسلامي عنيمة سمينة باردة، وكان من بين هذه الأجزاء: المغرب العربي الإسلامي، سعت إلى ذلك بخطوات ثقيلة متلاحقة… لكثرة ما حملت على عاتقها من الحديد، ما أتخمت به معدتها من أقوات الشعوب! وفكرها المخمور لا يصحو إلا على صورة الأندلس: الفردوس المفقود، تحفزهم وتحثهم على «استرجاع» المغرب الإسلامي اليوم كما «غصبوا» أندلس الإسلام بالأمس.
هذه هي «الحقيقة» التي كانت ماثلة في أذهانهم، يومذاك، وكان كل ما حولهم يؤكد لهم أن النصر والغلبة ستكون في جانبهم: القوة المادية بكل صنوفها وغرور النصر ونشوته في أعقاب الحرب، إلى جانب التخلف والفقر والضعف المادي في أرجاء المغرب الكبير.
ليس من شك في أن الجو كان مكفهراً ينذر بالخطر والسوء… ولكن كما يبزغ الفجر من وراء السحب الدكناء فيبدد سوادها ويقصم بعموده القوي اللامع ظهر الليل، بزغ سيف الأمير عبد الكريم الخطابي يلمع في سماء المغرب، ليقصم أصلاب الفرنسيين والإسبان، ويعلم الدنيا أن غزوة بدر مدرسة الجهاء الأولى في الإسلام، لها جندها في كل زمن وحين، وأنها المدرسة التي صمدت للأمواج المتلاطمة، والعواصف الهوج، فأمدت العالم الإسلامي في كل فترات حياته بقادة كبار، يجاهدون في سبيل الله، وعلى بركة الله، وكان من هؤلاء الأبطال في عصر قراعنا مع الاستعمار: عمر المختار وعبد القادر الجزائري وعبد الكريم الخطابي.
منذ مطلع هذا القرن، والغربيون يعتبرون العالم «مزرعة» لهم، ومن يدري فلعل هذا من قواعد حضارتهم؟ ففي عام 1902 اتفقت إيطاليا وفرنسا على أن تطلع يد الأولى في طرابلس الغرب، مقابل حرية العمل في المغرب للثانية، وفي نيسان من عام 1904 اتفقت فرنسا وإنكلترا على أن تتعهد الأولى بعدم عرقلة عمل الإنكليز في مصر، مقابل أن تعترف إنكلترا بحق فرنسا المطلق في المغرب، وفي نفس العام تم الاتفاق بعد ذلك بين فرنسا وإسبانيا على الموافقة على اتفاق نيسان نظير أن يكون لإسبانيا نفوذ في بعض مناطق المغرب!!
وظن بعضهم بألمانيا خيراً حين نزل إمبراطورها عام 1905 بمدينة طنجة وقال فيها: «إن زيارتي هذه لسلطان المغرب، الملك المستقل!» ولكن ما أن اتفقت مصالح ألمانيا وفرنسا على اقتسام «الغنائم» الاستعمارية حتى أطلق ألمانيا يد فرنسا في المغرب، نظير ترك الكونغو الإفريقي لألمانيا. وكان ذلك عام 1911، الذي لم يمض عليه أكثر من عام حتى وقع السلطان معاهدة الحماية على البلاد!
وكان عمر الأمير عبد الكريم يناهز الثلاثين يوم وقعت بلاده تحت وطأة الاستعمار الفرنسي الإسباني، فقد ولد الأمير عام 1301هـ في بلدة «أجدير» وهي خليج صغير على شاطئ المتوسط بين تطوان ومليلة، ونشا على حفظ القرآن ودراسة الفقه والتمسك بقواعد الإسلام الحنيف، ويتصل نسبه بالنبي صلى الله عليه وسلم.
تلقى الأمير عبد الكريم دروسه الابتدائية والثانوية في مليلة، ثم التحق بجامعة القرويين –أقدم جامعة في العالم- بفاس، ثم تخرج مدرساً بمليلة، وعمل محرراً في بعض الصحف اليومية ثم عين قاضياً بعد ذلك، حيث بدأ خطره يشتد على الإسبان، حتى أنهم قبضوا عليه في عام 1915م بتهمة الميل للعثمانيين والعمل على الدفاع عن الخلافة وإلهاب الشعور الإسلامي (ضد الصليبيين الجدد)، وقدموه للمحاكمة أمام مجلس حربي عسكري، ظهرت فيه شجاعة الأمير الفائقة وثقته المطلقة بهذا الدين الذي يعتنق.
التفَتَ إليه الجنرل (اي اسبورو) رئيس المجلس العسكري قائلاً: هل تعمل حقاً ضد الحلفاء؟ فقال: نعم. فسأله: وما هو سبب ذلك؟ يقول الأمير عبد الكريم: فقلتُ له: لأن الدولة العثمانية دخلت الحرب باعتبارها دولة الخلافة الإسلامية، وهي تقف بجانب ألمانيا واستوريا [النمسا]، وأنا مسلم مراكشي والخليفة نادى بالجهاد ضد الحلفاء لتحرير بلادنا التي تحتلها فرنسا وإسبانيا. فقال له الجنرال: وما هي علاقتك بالخلافة؟ فأجابه: إنها خلافة المسلمين كلهم في مشارق الأرض ومغاربها، ولذلك فأنا معهم لنحارب الحلفاء… فضحك الجنرال ثم قال له: أنا أعلم أنك رجل نبيل ومن أسرة نبيلة معروفة،ولكن ألا تعلم أن دولة إسبانيا ملتزمة الحياد، وأنت قاضي القضاة في منطقة الحماية؟ فقال له الأمير عبد الكريم: هذا لا يمنعني من القيام بواجبي، وأنا أرى كثيراً من ضباطكم يتعاملون مع الألمان الموجودين هنا لتغذية الحرب ضد فرنسا بجانب تركيا، ثم إذا كانت الوظيفة تمنعني من القيام بالواجب الوطني فأنا مستقيل من هذه الوظيفة منذ الآن لأتفرغ للقيام بالواجب المحتم علي…
وزج بالأمير عبد الكريم في السجن، وبدأ كفاحه الدامي ضد الإسبان الواغلين، الذين اعتبروا اعتقاله «رهينة» عن والده، الذي بدأ كفاحه ضد الإسبان في الريف المراكشي، وحاول البطل المجاهد الهروب من السجن، فقام في الساعة الحادية عشرة ليلاً بالقفز من أعلى برج في القلعة إلى الأرض بواسطة حبل معلق على طرف حديدي مربوط به فتدلى مع الحبل. ولكن الحبل لم يصل إلى الأرض فبقي فترة من الزمن معلقاً في الفضاء، ثم رأى أن يقفز المسافة الباقية، وكانت الريح شديدة عاتية ، فسقط على رجله اليسرى نتيجة اختلال توازنه من شدة الريح، فكسرت ساقه وشج رأسه وخرج مفصل يده عن موضعه.
وأعيد هذه المرة إلى سجنين سجن القيد وسجن المرض، وعلم والد الأمير عبد القادر بالأمر في الوقت الذي كان يستعد لشن هجوم كبير على الإسبان، فكتب إلى القائد الإسباني يقول له: لا تعتقدوا أن اعتقال ولدي ووجوده عندكم في السجن يمنعني من العمل ضدكم، فهو وأنا وجميع أفراد العائلة مستعدون دائماً لمواجهة الظالمين بما يستحقون.
وعندما دخل بعض الضباط على الأمير السجين وطلب إليه أن يقنع والده بالكف عن محاربة الإسبان، وهدده بنقله إلى سجن «ملقة» وهو سجن المجرمين، التفت إليه الأمير قائلاً: إنني لا أستطيع أن آمر والدي بشيء! بل هو الذي يأمرني وأنا مطيع له في كل شيء، وأنا مستعد للذهاب إلى سجنكم في ملقة، وأنتم ظالمون على كل حال، ولا تنتظروا مني شيئاً غير هذا…
ولما فات على الإسبان الغرض من سجنه خلوا سبيله بعد ذلك. ودرات بين الإسبان وأهل الريف بقيادة والد الأمير عبد الكريم عدة معارك، وكان الجيش الإسباني يحتل شرق الريف وغربه، والفرنسيون يحتلون جنوب الريف، وتوفي والد الأمير قبل أن يسيِّر الإسبان جيشاً كبيراً من الشرق، بمدافعه وطائراته، يزحف غرباً نحو أرض الريف، ولم يترك شبراً من الأرض إلا قام بتحصينه وبناء القلاع فيه، وتقدم الأمير عبد الكريم بألف من المجاهدين لمقابلة خمسة وعشرين ألف جندي مجهزين بالعتاد والذخيرة، ومن روائهم مؤخرة وحاميات…
وتقدم الجيش الإسباني بقيادة الجنرال سلفستري، فاحتل بلدة أنوال، ثم تقدمت فصيلة منه واحتلت المركز الحصين أبسران، وركز المجاهدون هجوماً معاكساً شديداً استردوا فيه المركز وأفنوا الحامية، وغنموا كل مافيه، فأقسم الجنرال العلج ليبيدن جيش الحفاة العصارة، صيادي الأسماك!
واستظل المجاهدون للمعركة الفاصية براية محمد صلى الله عليه وسلم، وطالفت في أذهانهم بطولات بدر… ألف مجاهد في مقابلة خمسة وعشرين ألف جندي في معركة استمرت خمسة أيام كاملة من عام 1921، تسفر عن إبادة الجيش الكبير على أيدي الفئة المؤمنة (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة والله مع الصابرين). إننا ننطلع بشوق إلى اليوم الذي تأخذ فيه مذكرات الأمير الخطابي طريقها للنشر، لنعلم من تفاصيل هذه المعركة ما لم نعلم… أما إسبانيا فقد سقطت حكومتها، وقامت محلها حكومة أخذت على عاتقها تجهيز مائة ألف جندي لتطبق بهم على «أجدير» بلدة الأمير عبد الكريم، من عدة جهات… ولكن فات جميع دول الاستعمار في العالم أن الشرارة التي انقدحت في النفس المسلمة الغافلة فأيقظتها لن تخبو بعد اليوم أبداً، وأن الذي انتصر عليهم اليوم ليسوا أولئك النفر القليل… ,وكن هذا الإسلام العظيم، فلو أن هؤلاء استشهدوا اليوم فسيحمل الراية من بعدهم كثيرون غيرهم… حتى يكتب الله النصر للمؤمنين…
وعمل الأمير عبد الكريم بعد ذلك على تنظيم الجيش وإزاحة العقبات التي تقف في طريق نموه، ولم تنسه الأعمال الحربية القيام بالإصلاحات التي تحتاجها البلاد، فنظم مالية البلاد التي لم تقع تحت قبضة المستعمر وأصلح فيها الإدارة ونظم التجارة والزراعة، وعنى بحالة الريف الصحية والتعليمية.
وتوالى جهاده مع جنوده الذين لم يزيدوا على ألف وستمائة مجاهد، مع إسبانيا في جهة الغرب، وكذلك مع الفرنسيين من الجنوب، في معارك لاهبة متلاحقة، يصيب فيها من الأعداء، ويصيب الأعداء منه، يصيبون من أعدائهم بإيمانهم وسلاحهم، ويصيب منهم الأعداء بـ… الغازات السامة التي استعملها الإسبان أكثر من مرة.
ولما اشتدت وطأة الأمير عبد الكريم على الإسبان بعد الهزيمة التي ألحقها بهم في آب من عام 1924، لم يسع الديكتاتور الإسباني «بريمو دي ريفيرا» إلا أن يتولى القيادة العسكرية بنفسه ليعمل على إنقاذ جيشه، وتفاوض مع الفرنسيين لكي يقوموا بنجدته، وأثمرت مفاوضاته معهم، فاتفقت القوتات الفرنسية والإسبانية على محاربة عبد الكريم، وكانت فرنسا أقوى دولة برية في العالم، والجيش الإسباني ثالث الجيوش الأوروبية.
وفي ربيع عام 1925 بدأ الفرنسيون هجومهم تحت ستار صد هجوم مفتعل، «وكان الفرنسيون يريدون بفتح الجبهة التخفيف عن الإسبان ومساعدتهم، وكان فتح الجبهة مفاجئاً، ولم ينته المجاهدون بعد من القضاء على الإسبان، وكانوا شبه محصورين بين البحر في الشمال، وهو في يد الإسبان والفرنسيين، والإسبان من الشرق والغرب، وثم الفرنسيين من الجنوب».
وسار جيش عبد الكريم بقيادة أخيه لمقابلة الفرنسيين الذين توجهوا إلى فاس، وأخذت الحصون تسقط بأيدي الجيش المجاهد، غير عابئ بالغارات الوحشية التي تشن عليه من هنا وهناك، وبالرغم من أن المجاهدين قد فقدوا ميزتهم في حرب الجبال وهم في طريقهم إلى فاس إلا أن قوتهم تضاعفت بسبب ازدياد عدد القبائل المنضمة إليهم، والتقوا مع الأمداد الفرنسية الكبيرة في «مزيان» فهزم الفرنسيون هزيمة منكرة، وأصبح الطريق إلى العاصمة مفتوحاً، فأسرع رئيس وزراء فرنسا إلى ميدان المعركة وعزل القائد الفرنسي المدعو «لوتي» المعروف بالحنكة والبراعة، وعيّن المارشال «بيتان» كبير العسكريين الفرنسيين، وطلب فرنسا من إسبانيا أن تفتح جبهة رابعة، وغطت الطائرات سماء مراكش، وأخذت تضرب المدنيين على غير هدى، بل أنها تعمدت ضرب الأسواق التجارية ودور العلم والمستشفيات، لتشيع الذعر والخوف، بل لتنفس عن شيء من حقدها الصليبي، وتعمل على تطبيق بند من أهم بنود الحضارة الغربية!
وأسرع القائد الفرنسي الجديد وشن هجوماً انتزع به أهم معاقل المقاومة «البرانس» بينما كانت إسبانيا تستعد للنزول بأجدير، فتم هذا الأمر في نيسان عام 1925 بعد شهر من سقوط «البرانس»، وفي أيام من العام القادم كانت الجيوش الفرنسية والإسبانية تسير مجتمعة تحت قيادة «بيتان» تزحف من جميع الجهات على الأمير عبد الكريم والمجاهدين المغاربة، حين فاوضته وطلبت إليه التسليم، فأبى ذلك عليه دينه ووفاؤه، وفضّل الشهادة في ساحة المعركة، ولم تلبث قوى الشر والعدوان أن أطبقت على الأمير وجماعته وقادته أسيراً في 10 تشرين أول 1926 إلى جزيرة «رينيون» [في] المحيط الهندي، شرقي مدغشقر.
وأمضى المجاهد الأسير مع شقيقه وعمه وأهله عشر سنوات كاملة وراء لجج المحيط يعاني مرارة النفي والوحدة والانقطاع عن العالم، ولكنه ان انقطعت صلاته بالأرض، فإنها موصوله بالسماء بحبل متين.
لقد عكف الأمير رحمه الله على قراءة كتب في التفسير والحديث والعقيدة كان قد اصطحبها معه إلى الجزيرة، وعكف على العبادة والتوجه إلى الله، فأصبح رقيق النفس، مرهف الشعور، يتوجه إلى الله بالدعاء وقد خط الشيب عارضيه، ووراءه سنوات من الجهاد في سبيل الله وحده.. جهاد في الشباب، وعبادة وعلم وورع في المشيب، وإخلاص لله في كل مل، ووعد من الله بالجنة للشهداء. كل ذلك طريق إلى دار الخلد مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.
ويمضي الأمير في الجزيرة النائية الموحشة أحد عشر عاماً آخر يسمح له فيها بالتنقل في أرجاء الجزيرة الصغيرة وقراءة بعض الصحف والمجلات الفرنسية.
وفي عام 1947 أعلنت فرنسا على العالم نبأ إطلاق سراح بطل الريف الأمير عبد الكريم الخطابي وأقاربه جميعاً، بشرط الإقامة في أحد قصور باريس، الذي أعدته لهم فرنسا، ووصلت الباخرة المقلة للأمير إلى بور سعيد في 29 أيار 1947 لتتابع طريقها إلى فرنسا، وتشاء إرادة الله أن يتمكن الأمير المجاهد من اللجوء إلى مصر، والبقاء فيها… مثلاً رائعاً من أمثال الكفاح والفداء والصبر والجهاد، وليعلم كل من يرى الأمير الخطابي أو يقرأ تاريخ حياته الطويل أن الإسلام يصنع الرجال، وأن الرجال يصنعون التاريخ، وأن مدرسة بدر الكبرى باقية ما دام في الدنيا لسان ينطق وشمس تشرق على الأرض.
قال المستر كورتي عضو مجلس العموم البريطاني: «إن عبد الكريم رجل حرب وجلاد، وزعيم يعرف كيف يجعل الجماهير تنقاد إليه، حتى صار الناس في الهند وبغداد والقاهرة يرون فيه رجلاً يصح أن يكون أميراً للمؤمنين، وحاملاً لسيف الإسلام، فإذا أصبح والحالة هذه في مركز يدعو فيه إلى الجهاد في إفريقية الشمالية وبلاد العرب والأناضول فإن إنكلترا وفرنسا وإيطاليا تتعرض لأخطار جسيمة، ولا يبعد أن تمس هذه الأخطار دولاً أخرى غير هذه أيضاً».
ليطمئن سيادة عضو مجلس العموم البريطاين، فإن إنكلترا وفرنسا وإيطاليا تعرضت وتتعرض لأخطار جسيمة، من غير أن يبايع الأمير الخطابي رحمه الله بالخلافة أو إمارة المؤمنين، لأن الصوت الذي أطلقه الأمير الراحل ما زال يتردد في نفوس شباب الإسلام،وهو يحثهم على طاعة الله ودراسة القرآن، ولأن الجذوة التي اقتبس منها الأمير ما زالت حية مشتعلة، لا يزيدها ضرب الريح إلا اشتعالاً… إنها الإسلام الذي لا تزيده المحن إلا كشفاً عن طبيعته الإلهية المتفردة.. ولأن المدرسة التي أنبتت خالداً وصلاح الدين، والخطابي والمختار، قائمة خالدة، منذ أن حاربت الملائكة مع المسلمين في يوم بدر.
«ولينصرن اللهُ من ينصره إن الله لقوي عزيز».
—-
—————————–
[1] نجم: نشأ.
مجلة حضارة الإسلام، المجلد الثالث، 1962-1963، ص989-998
نقلا من موقع الفسطاط المجلة التاريخية
بسم الله الرحمان الرحيم
أبناء شعب اٍفريقيا الشمالية الكريم
يسرني أن أوجه اٍليكم أول خطاب و أنا متمتع بالحرية الكاملة في أرض الكنانة بعد طول الفراق و بعد الشقة, و نحمد الله على هذه المنة الجليلة التي أتاحت لنا الفرصة لاستئناف الكفاح في سبيل حريتنا و استقلالنا.
اٍخواني الأعزاء
لا يخفى أننا أسسنا لجنة مهمتها تحرير المغرب العربي المسلم من ربقة الذل و الاستعباد و من نير الاستعمار البغيض, و أن الظروف الحاضرة و الواجب الوطني هو الذي دفعني دفعا الى تولي رياسة هذه اللجنة, و اٍلا فما كان لي أرب في هذه الرياسة لعظم مسؤوليتها و خشية الضعف عن القيام بهذا الواجب العظيم, لأن الاٍنسان لا يقدم على أمر حتى يفكر في عواقبه و ملابساته و مقدماته و نتائجه. و هل في استطاعته أن يقوم بواجبه كما ينبغي.
و على أية حال فقد و قع ما وقع و انتهى تأليف اللجنة على أساس قوله عليه الصلاة و السلام: كلكم راع و كلكم مسئول عن رعيته.
لذا فاٍني أرى من واجبي اليوم بعد تقديم تحياتي للجميع أن أعلمكم و أنبهكم اٍلى أن الواجب الديني و الواجب الوطني يقضيان على كل فرد من أفراد شعب المغرب العربي أن يتحدوا اتحادا لا تشوبه شائبة, و ينبذوا نهائيا كل ما من شأنه أن يؤدي اٍلى أدنى خلاف أو نزاع و أن يوحدوا جهودهم المادية و الأدبية حتى نستطيع أن نقوم بواجب تحرير شعبنا ووطننا و اٍنقاذهما من وطأة الأحتلال بالقضاء على الدخيل.
هذا ما أرجوه منكم و أحثكم عليه, وهذا ما تسمعونه مني دائما اٍلى أن نصل اٍلى شاطئ السلامة بتحقيق الكرامة. و اٍني لا أحيد قيد أنملة عن اٍسماعكم هذه الأسس المتينة التي نريد أن نبني عليها أعمالنا في المستقبل, و أن كل من سيسعى في خلاف بينكم أو اٍحداث شقاق في صفوفكم أعتبره خائنا و جانيا على الوطن, لأن الذي سيستغل هذا الخلاف لحسابه و يستفيد منه لفائدته هو العدو الغاصب المستعمر لبلادنا, فلا يجوز أن يقبل منه أي عذر من الأعذار في هذا السبيل.
إخواني
فعلى الاحزاب أن يتركوا النعرات الحزبية وأن لا يجعلوها وسيلة للتفرقة والنزاع مما لا يعود على وطننا العزيز إلا بزيادة الوطاة الاستعمارية وتمكين التدخيل من رقابنا.واعلموا أن أقوى سلاح نقدمه للدفاع عن وطننا هو سلاح الاتحاد بين الزعماء وعامة الشعب. إذ ليس لنا سبيل للخلاص ولا الخروج من هذه الازمة الخانقة إلا إذا تكاتفنا وتعاونا واتحدنا،وانخذنا الوحدة شعارا مقدسا لا تشوبه أغراض ولا أعراض.
إخواني
إن يوم الخلاص قريب،قريب إذا وفيتم بهذا الشرط والتزمتم التقيد به والعمل عليه والدعوة اليه، كل بمفرده لا فرق بين كبير وصغير ولا بين رئيس ومرؤوس. ويكفينا دليلا على صحة هذا قول الله العالم بما فيه مصلحة عباده المؤمنين الذين سماهم إخوة: ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم. (سورة الأنفال، آية 46) وقوله عليه الصلاة والسلام: المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم.
هذا وإني أعتقد أن ما قدمناه من نصح وإرشاد فيه الكفاية الآن.فأوجه كلمتي الأخيرة إلى طبقة الموظفين من إخوانين منبها إياهم بأن عليهم مسؤولية يجب مراعاتها ولا يتهاونون في شأنها.وليعلموا أن تصرفاتهم وسلوكهم مع المواطنين سيسألون عنها بين يدي الله.فقد بلغني أن البعض منهم لا يراعي في إخوانه إلا ولا ذمة، وكل ما يهمهم هو إشباع شهواتهم وترضية أهائهم، فلا شك أنهم ــ إن لم يتوبوا ويثبوا إلى الاستقامة والنزاهة والعمل لرفع شأن الوطن بإقامة ميزان العدل في الأمة ــ أنهم سيجازون عاجلا أم آجلا،إن خيرا فخير وإن شرا فشر، والله تبارك وتعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر. يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. (سورة آل عمران، آية 102) ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلهم إياكم أن اتقوا الله. (سورة النساء، آية 131)
والله أسأل أن يوفقنا جميعا لما فيه سعادة الدارين ورفاهية الوطن وتحريره نهائيا.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أخوكم عبد الكريم الخطابي
القاهرة 5/1/1948
و السلام
مسلم أمازيغي
moslimamazighi@gmail.com





